أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
285
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
كانوا قد فعلوا ذلك في المفرد الذي هو أخف من الجمع ، كقولهم في « عنق » : « عنق » ، وفي « طنب » « 1 » : « طنب » ، فما بالهم في الجمع الذي هو أثقل من المفرد . وقرأ الأخوان « نشرا » . ووجهها أنها مصدر واقع موقع الحال ، بمعنى : ناشرة ، أو منشورة ، أو ذات نشر ، كل ذلك على ما تقدم في نظيره . وقيل : « نشرا » مصدر مؤكد ، لأن « أرسل » و « أنشر » متقاربان . وقيل : « نشرا » مصدر على حذف الزوائد ، أي : إنشارا ، وهو واقع موقع الحال ، أي : منشرا ، أو منشرا ، حسب ما تقدم في ذلك . وقرأ عاصم « بُشْراً » بالباء الموحدة مضمومة وسكون الشين ، وهو جمع « بشيرة » ، ك « نذيرة ونذر » . وقيل : جمع « فعيل » ، ك « قليب وقلب ، ورغيف ورغف » ، وهي مأخوذة في المعنى من قوله تعالى : وهو الّذي يرسل الرّياح مبشّرات ، أي : تبشّر بالمطر ، ثمّ خففت الضمة ، كما تقدم في « نشر » ، ويؤيد ذلك أن ابن عباس والسّلمي وابن أبي عبلة قرأوا بضمهما ، وهي مروية عن عاصم نفسه ، فهذه أربع قراءات في السبع . والخامسة ما ذكرته الساعة عن ابن عباس ومن معه . وقرأ مسروق « نشرا » بفتح النون والشين ، وفيهما تخريجان ، أحدهما : - نقله أبو الفتح - أنه اسم جمع ، ك « غيب ونشأ » ، ل « غائبة وناشئة » . والثاني : أن « فعلا » بمعنى مفعول ، ك « قبض بمعنى مقبوض » وقرأ أبو عبد الرحمن « بشرا » بفتح الباء وسكون الشين ، ورويت عن عاصم أيضا ، على أنه مصدر « بشر » ثلاثيا . وقرأ ابن السّميفع « بشرى » بزنة « رجعي » ، وهو مصدر أيضا . فهذه ثماني قراءات ، أربع مع النون ، وأربع مع الباء . هذا ما يتعلق بالقراءات ، وما هي بالنسبة إلى كونها مفردة أو جمعا . وأما نصبها فإنّها في قراءة نافع ومن معه ، وابن عامر منصوبة على الحال من « الرِّياحَ ، أو الريح » حسبما تقدم من الخلاف ، وكذلك في قراءة عاصم وما يشبهها ، وأما في قراءة الأخوين ومسروق فتحتمل المصدرية أو الحالية ، وكل هذا واضح ، وكذلك قراءة « بشرى » بزنة « رجعي » . ولا بدّ من التعرض لشيء آخر ، وهو أن من قرأ « الرِّياحَ » بالجمع ، وقرأ « نشرا » جمعا ، كنافع وأبي عمرو فواضح . وأما من أفرد « الريح » ، وجمع « نشرا » كابن كثير ، فإنّه يجعل « الريح » اسم جنس ، فهي جمع في المعنى ، فوصفها بالجمع ، كقول عنترة : 2234 - فيها اثنتان وأربعون حلوبة * سودا ، كخافية الغراب الأسحم « 2 » والحالية في بعض الصور يجوز أن تكون من فاعل « يُرْسِلُ » ، أو مفعوله ، وكل هذا يعرف مما قدمته ، ولا حاجة إلى ذكر كل صورة بلفظها . و « بَيْنَ » ظرف ل « يُرْسِلُ » ، أو للبشارة ، فيمن قرأه كذلك قوله : حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ غاية لقوله : « يُرْسِلُ » . و « أَقَلَّتْ » أي : حملت من أقللت كذا ، أي : حملته بسهولة ، وكأنه مأخوذ من القلّة ، لأنه يقال : أقلّه ، أي : حمله بسهولة ، فهو مستقل لما يحمله . والقلّة - بضم القاف - هذا الظرف المعروف ، وقلال هجر كذلك « 3 » ، لأن البعير يقلها ، أي : يحملها . و « السّحاب » تقدم تفسيره ، وأنه يذكر ويؤنث ، ولذلك عاد الضمير عليه مذكرا من قوله : « سُقْناهُ » ، ولو حمل على المعنى - كما حمل قوله : « ثِقالًا » فجمع - لقال : « سقناها » . و « لِبَلَدٍ » جعل الزمخشري اللام للعلة ، أي : لأجل بلد » . وقال الشيخ « 4 » : « فرق بين قولك : سقت له مالا وسقت لأجله مالا بأن سقته له : أوصلته إليه وأبلغته إياه ،
--> ( 1 ) والطنب الحبل انظر اللسان « طنب » . ( 2 ) انظر البيت في ديوان ( 17 ) ، شرح القصائد العشر ( 327 ) ، الخزانة ( 7 / 391 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 3 / 55 ) . ( 3 ) القلّة : إناء للعرب كالجرّة الكبيرة . انظر اللسان ( قلل ) . ( 4 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 317 ) .